التفاضل بين الرّجل والمرأة في الإسلام

(عدد القراءات : 4533)
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
التفاضل بين الرّجل والمرأة في الإسلام

ليس هناك تفاضل معنوي بين اثنين يمتلك كلّ منهما خصائص بدنية خاصة أو إمكانات عملية متميِّزة، فنحنُ لا نميِّز مثلاً على الصعيد الإنساني بين شخص طويل وآخر قصير أو متوسِّط الطول، ولا نميِّز معنوياً وفي مقدار الاحترام بين طبيب ومهندس ومعلِّم وعامل، رغم اختلاف تخصّص وعمل كلّ منهم وحتى اختلاف المستوى الاقتصادي، فكلّ منهم إنسان له احترامه وله شخصيته وله كيانه الخاص الذي يجب أن يُحفظ، وله شخصيته القانونية المتساوية مع الآخرين، وكلّ منهم له صوت واحد في الانتخابات، كما إنّ كلاً منهم متساوٍ أمام الله تعالى في عبوديته لله وربوبية الله تعالى له. وكذلك الرجل والمرأة، فإنّ اختلاف الجسم وحجم العظام وشكل الهندام لا يعني بحال أفضلية أحدهما على الآخر، أو يستدعي تمييزه وإعطاءه موقعاً إنسانياً واجتماعياً خاصّاً، وإنّما تبقى ميادين التفاضل هي، كما بين أبناء الجنس الواحد، بين الرجال أو النساء، أو الرجال والنساء معاً. لذا فإنّ الخطاب في القرآن الكريم: يا أيّها الذين آمَنوا، يا أيّها الناس... كان عامّاً، يشمل الذكور والإناث دون استثناء أو تخصيص.. ومن معايير التفاضل في الإسلام هي: التقوى، العلم، العمل الصالح، الجهاد، ... إلخ. والرجال والنساء على السواء مدعوون إلى التنافس في الخيرات والاستباق في هذه المجالات الطيِّبة دون تمييز على أساس الجنس، فقد تكون امرأة معيّنة أفضل من كثير من الرجال والنساء معاً، بل قد تكون في مستوى القدوة للرجال والنساء معاً، كما يكون رجل معيّن في مستوىً أعلى من غيره. ومن المفيد هنا أن نستعرض النصوص التي تلغي التمييز في مجالات التفاضل وتفتح الساحات للمرأة والرجل معاً للسموّ والرفعة والتقدّم: 1- مجال التقوى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13). والآية صريحة في أنّ التفاضل بالتقوى باب مفتوح للذكر والأنثى على السواء، وفي القرآن الكريم صفحات مشرقة لنساء بلغنَ العُلى في الإيمان والورع والتقوى حتى كنّ قدوة للّذين آمنوا: رجالاً ونساءً، فضرب الله بهنّ المثل الأعلى، قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم/ 11-12). فالأولى هي آسية بنت مزاحِم، زوجة فرعون، آمَنَت بالله تعالى وكفرت بزوجها، فهدّدها بالقتل، فآثرت جوار الله في بيت من صنع الله، فاستجابَ الله لها ورحّب بها وأعدّ لها أجراً كريماً، فما ضرّها أن كانت زوجة أعتى أهل الأرض، كما لم ينفع امرأة نوح أو لوط أنّها زوجة خير الناس. والثانية مريم التي حافظة على طهرها ونزاهتها، فكانت أهلاً لأن تحمل بالسيِّد المسيح (ع)، وأن تؤمن وترتفع في سلّم الإيمان، حتى عدّها الله تعالى في "القانتين": أي من القوم المطيعين لله الخاضعين له الدائمين في طاعته. وقد ذكر القرآن الكريم مريم باسمها في بضع وثلاثين موضعاً في نيف وعشرين سورة، وفي ذلك دلالة على مكانتها السامية وعلى اهتمام القرآن بشخصيتها وتعظيمه وتقديمه لها مثلاً رائعاً يهتدي الناس بهديه ويسيرون بنهجه دون أن يكون لأنوثتها أيّة إعاقة في أن تبلغ المستوى الذي بلغتهُ وأن تُرفَع إلى الموقع الذي اعتلته. وفي قصّتها وقصّة ولدها السيد المسيح (ع)، الكثير من العِبَر ما جعلهما بنصِّ القرآن "آية للعالمين". وقد ورد في أحد سياقات قصّة مريم (ع) ما يستدعي التوقّف عنده والتأمّل فيه ممّا يخصّ بحثنا حول المرأة وموقعها في الرسالات الإلهية وإمكانية تقدّمها على الرجل، في ميدان العبادة والتقوى والمكانة عند الله تعالى، والآيات هي: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران/ 35-38). إذ تتناول الآيات الكريمة قصّة نذر امرأة عمران – بن ماثان – وهو جدّ المسيح (ع) ما في بطنها ليكون معتقاً تماماً في خدمة الله تعالى: يعبده ويخدم في الأماكن المختصّة بالعبادة، والنكات اللطيفة في الآيات المتعلِّقة بموضوعنا هي: أ‌) كانت إمرأة عمران تريد بنذرها ولداً ذكراً، ليكون خادماً لله تعالى، ومع عِلم الله تعالى بنيّتها وقبوله لنذرها، ولكنّه اختار لها مريم، صدِّيقة طاهرة: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ) (فصّلت/ 47). وفيه إشارة إلى أنّ لا فرق في مجال الخدمة بين يدي الله بين الذكر والأنثى، وأنّ هذه الوليدة الأنثى يمكنها أن تحقِّق ما نذرت له أمّها رغم اعتقادها بأنّه لا يقوم بذلك إلّا الولد. ب‌) اختلف المفسِّرون في نسبة جملة (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى) (آل عمران/ 36)، هي لله تعالى، أم هي مقولة امرأة عمران. فعلى القول الثاني: أنّ امرأة عمران تحسّرت وتلهّفت على ما فاتها من النذر، وقد ظنّت أنّ ولدها ذكر فنذرته ليخدم الله في معابده، فلمّا وضعته أنثى، تحسّرت لذلك وقالت تلك الجملة. وعلى هذا الرأي فإنّ قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) يدلّ على أنّ هذا المولود "الأُنثى" يحقِّق ما نذرت له وما تمنّت، ففيه سرّ عظيم وأن لا تخلّف ولا إخفاق في نذرها، فنذرها خالص لله، والله سبحانه وتعالى قبل منها نذرها وحقّق مناها في مريم (ع)، فهو يقول: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا). أمّا القول الأوّل، فقد نسب القول (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى) إلى الله تعالى، وفيه أيضاً تأكيد لنفس المعنى، من أنّ هذه الأنثى بمستوى رفيع ومكانة سامية لا يصل إليها الذكر الذي كانت ترجوه، قال الطباطبائي: "قوله: والله أعلم بما وضعت، أنّه مسوق لبيان أنّا نعلم أنّها أُنثى، لكنّا أردنا إنجاز ما كانت تتمنّاه بأحسن وجه وأرضى طريق، ولو كانت تعلم ما أردناه من جعل ما في بطنها أنثى لم تتحسّر ولم تحزن ذلك التحسّر والتحزّن، والحال أنّ الذكر الذي كانت ترجوه لم يكن ممكناً أن يصير مثل هذه الأنثى التي وهبناها لها، فإنّ غاية أمره أن يصير مثل عيسى نبيّاً مبرئاً للأكمه والأبرص ومحيياً للموتى، لكن هذه الأُنثى ستتم به – بها – كلمة الله وتلد ولداً بغير أب، وتُجعَل هي وابنها آية للعالمين، ويُكلِّم الناس في المهد، ويكون روحاً وكلمة من الله، مثله عند الله كمثل آدم... إلى غير ذلك من الآيات الباهرات في خلق هذه الأنثى الطاهرة المباركة وخلق ابنها عيسى (ع)". وهذه دلالة ما بعدها دلالة على أنّ الأنوثة والذكورة ليس لهما أثر في سلّم الترقِّي والصعود إلى المراتب السامية عند الله تعالى، فلا الذكورة تأهيل على هذا الصعيد ولا الأنوثة عائق في هذا السبيل، بل الأكرم عند الله هو الأتقى، رجلاً كان أم امرأة. 2- مجال العمل الصالح: ولأنّ الإيمان تصديق باللِّسان وعمل بالأركان، فالعمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان الحقيقي، ولا إيمان إلّا بعمل...، كذلك كان ميدان العمل الصالح مفتوحاً أمام الرجل والمرأة على السواء، يتنافسون فيه بالخيرات... (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (الزلزلة/ 7). (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ...) (غافر/ 40). ذلك أنّ الله تعالى يقول: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران/ 195). فالعبرة عند الله تعالى بالأعمال لا بالمال والرجال، وبالإخلاص لا بهتاف الناس، والذكر ابن الأنثى، والأنثى بنت الذكر، فتماثلهما في المصدر يستدعي تماثلهما في الحكم والأثر. ولأنّ الإيمان والعمل الصالح يؤدِّيان إلى الجنّة، فإنّ الله تعالى لم يخلق جنّته للرجال ولا ناره للنساء، إنّما: (يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ...) (الأحزاب/ 73). (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) (الفتح/ 5). بل إنّ "الجنّة تحت أقدام الأُمّهات" (حديث شريف). وفي المقابل: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة/ 8). (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ...) (الفتح/ 6). 3- مجال العلم: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (المجادلة/ 11). (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ) (الزّمر/ 9). (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر/ 28). الإسلام، وكذلك جميع الرسالات الإلهية، دين العلم والمعرفة، وقد كانت أوّل كلمة من الوحي "اقرأ" بياناً لأهميّة المعرفة في دنيا الإسلام وأنّها هي المرتكز الأوّل للإيمان كما هي المرتكز الأوّل للعلم والحضارة. والقرآن الكريم، وهو دستور الإسلام، تتردّد في سائر أنحائه كلمات: العِلم، والتعلّم، ومفردات مثل، عليم، عالم، عالمون، علماء، في أكثر من ثمانمئة وخمسين مورداً، فهو كتاب علم، ومنهج معرفة، وأمثال حكمة (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت/ 43). ومن أسماء الله الحسنى: العليم، وقد جاء ذكره تعالى بهذه الصفة في مئة وستّة وستّين مورداً في القرآن، والأسماء هي تعبير عن صفات الله، وإليها يتّجه المؤمنون: (وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف/ 180). لذا كان "طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم ومسلمة". ومنذ الصدر الأوّل للإسلام، تقدّمت المرأة في ميادين العلم والمعرفة، فكان في الرّواة عن رسول الله (ص) جملة من النساء الصحابيات، ومنهم أزواج الرسول الكريم (ص)، وتناقل العلماء جيلاً بعد جيل – ورغم الجدل الواسع فيما روي – ما رووا وروين عن رسول الله (ص)، إلّا أنّ أحداً لم يقدح في رواية لروايتها عن النساء، ممّا يدلّ على أنّ المرأة احتلّت موقعاً علمياً معترفاً به من جمهور المسلمين.. ونجد في جملة مَن روى عن الرسول (ص) من النساء، أسماء كثيرة، ممّن أكثر الرواية أو أقل، ومنهنّ: أسماء بنت أبي بكر، وأسماء بنت عميس، وأم أنس بن مالك، وأم أيمن مولاة رسول الله (ص)، وأم حبيبة، وأم حزام بنت ملخان، وأم الحصين، وأم خالد، وأم رومان، وأم سليط، وأم سليم، وأم شريك، وأم عطيّة، وأم العلاء، ولبابة أم الفضل، وأم قيس، وأم كلثوم بنت عقبة، وأم مبشر، وأم هاني (فاختة) بنت أبي طالب، وأم هشام بنت حارثة، وجريرة بنت الحارث، وخنساء بنت حذام، وخولة بنت ثامر، وخولة بنت حكيم، وزينب امرأة ابن مسعود، وزينب بنت أبي سلمة، وزينب العطّارة، وسبيعة الأسلمية، وسودة بنت زمعة، وصفية بنت شيبة، وصفية بنت عبدالمطّلب... وغيرهنّ من أصحاب رسول الله (ص). ومن أزواجه: أم سلمة (هند بنت الحارث)، وحفصة بنت عمر، وخديجة بنت خويلد، وزينب بنت جحش، وعائشة بنت أبي بكر... ومن ذرِّيّته: ابنته سيّدة النساء فاطمة الزهراء (ع). ونجد أيضاً نساء روين عن سائر الأئمة وتناقل العلماء الرواية عنهنّ. إلّا أنّنا نسجِّل هنا ملاحظة تاريخية هامّة، وهي أنّ الرواية عن النساء وعدد مَن روى منهنّ في قلّة وتناقص كلّما ابتعد الزمن بنا عن عهد رسول الله (ص)، وهو يدلّ على أنّ الإسلام فجّر طاقات المرأة وفتح باب العلم أمامها، إلّا أنّ التراجع عن الإسلام والابتعاد عن أصوله الأولى، قلّل من هذا التأثير والتغيير، وعادت المرأة تواجه الظروف المتخلِّفة للمجتمعات المختلفة مرّة أخرى. وعلى أي حال، فالإسلام فتح باب العلم في وجه المرأة، كما فتحه في وجه الرجل، وسهّل سبل ارتقاء المرأة مدارج المعرفة وأن تحتل موقعها بين العلماء، وللإسلام في تصدِّي المرأة لمقام التعليم، وتناول الفكر الديني، وممارستها العمل السياسي واستقلالها الاقتصادي، السبق عن سائر الحضارات المعاصرة له حتى يومنا الحاضر. ومن أعجب الافتراءات ما ذهب إليه بعض المستشرقين كـ(دينان) من أنّ الإسلام لا يشجِّع على العلم، مع أنّ كلَّ دعوة الإسلام، دعوة إلى التفكّر والتعقّل واكتساب العلم وإكرام العلماء. والأعجب من ذلك أن يوعز البعض انخفاض نسبة التعلّم في بعض الدول العربية الإسلامية إلى الإسلام، ليغمض بذلك عينيه عن حقيقة أعلنها الإسلام منذ انطلاقته، عندما جعل طلب العلم على المرأة فريضة، لا مجرّد حقّ تكسبه إن أرادت أو ترفضه إن أبت. ونكتفي بهذا القدر، تاركين التفصيل الذي لا يستوعبه بحثنا هنا، فسائر الموارد التي يتفاضل فيها الإنسان في الإسلام تشمل المرأة والرجل على السواء، وإن اختلفا في خلقهما وطبيعتهما، إلا أنّ هذا الاختلاف وتنوّع الأدوار الناتج عنه، لم يؤثِّر في إمكانية تقدّمهما في مدارج الكمال، وأن يتفاضلا كلّ بمقدار ما أحسن، في سبيل الإسلام، دون أن يكون لجنسهما تأثير في ذلك. المصدر: كتاب المرأة.. أزمة الهوية وتحديات المستقبل

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي