التأسيس

(عدد القراءات : 97449)
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

التأسيس

خضع العالم الإسلامي عقوداً عديدة للهيمنة الاستعمارية، تمثلت في الاحتلال العسكري المسلح، الغزو الفكري، والهيمنة الاقتصادية والسياسية، ولكي

تثبت القوى الاستعمارية وجودها، وتحكم سيطرتها استعانت بحكام محليين وسلطات عميلة، تنفّذ إرادتها، وتعمل على إرهاب الشعوب، وتمرير المشاريع

الاستعمارية عليها، وإبقائها تحت كابوس التخلف والاستبداد، ومحاربة روح الوعي واليقظة والتحرر، وعزل أجيال الأمة عن عقيدتها ومبادئها وقيمها

الإسلامية ، وتكريس حالات الفرقة والخلاف العنصري والطائفي، وافتعال مشاكل الحدود والنزاعات الإقليمية فيما بينها، واقتطاع فلسطين الإسلامية من

جسم الوطن الإسلامي، وزرع الكيان الصهيوني في قلب العالم الإسلامي، ليكون محطة للقوى الاستعمارية تدار من خلال عمليات الإغارة العسكرية

على المنطقة، وإدارة علميات التجسس والسيطرة الاقتصادية والسياسية، وإشغال العالم العربي بالحروب والصراعات واستهلاك طاقاته.

في الوقت الذي كان فيه العالم الإسلامي ينوء بنير الاستعمار الأوربي، كان الإخطبوط الأمريكي يمتد عبر تركيز الهيمنة الاقتصادية لاسيما منابع النفط

وتسويقه، والتسلط على الأسواق التجارية والتسليحيه كما كانت عملية الصراع السري المخابراتي، ومعركة انقلابات العسكرية بين الوجود البريطاني

والأمريكي للسيطرة على المنطقة الإسلامية.

في الوقت نفسه كان المد الشيوعي يكتسح العالم الإسلامي، على شكل احتلال، وضم الأراضي تحت الهيمنة السوفيتية، وتأسيس الأحزاب الشيوعية، ونشر الفكر الماركسي في البلدان الإسلامية.

وفي خضم هذا الصراع، ي ساحة الوطن الإسلامي، كان الضحية هو العالم الإسلامي والشعوب الإسلامية..في حين كان المستفيد هو القوى

الاستعمارية الأوربية والأمريكية والسوفيتية والكيان الصهيوني.. لقد كانت فترة رهيبة مظلمة عاش فيها العالم الإسلامي محنة التخلف العقلي، والخضوع

للهيمنة الاستعمارية، ونهب خيراته وطمس معالم هويته العقائدية ومحو شخصيته الحضارية المتمثلة في قيم الإسلام ومبادئه وتاريخه.. وبشكل صار فيه

أبناء المسلمين يخوضون معارك الصراع الفكري والدموي فيما بينهم، ويعانون محنة الجوع والتشريد، من أجل الانتماء الى الفكر الغربي أو الفكر

الماركسي، دون أن يعو حقيقة المعركة وإنهم الضحايا يتصارعون نيابة عن الغزاة الطامعين..وان لهذه الأمة مبادئها وقيمها ومنهج حضارتها الرائد، وان

ما تملك من فكر وحضارة وقيم ونظم يؤهلها لان تكون القائدة للبشرية، والشهيدة على المسيرة التاريخية للإنسان المعاصر، فضلا عن استغنائها عن

المبادئ والنظريات المسوقة في بورصة السياسة المختبئة خلفها الأطماع، ومخططات الهيمنة والاستبعاد.

في ظلمات هذه المحنة..كانت الخلايا الحية، ومراكز الوعي ومصادر الإشعاع في الأمة تواصل دوراها لاكتساح موجات الغزو والاحتلال والهيمنة الاستعمارية بكل أبعادها، والعمل المتواصل على أعادة الأمة إلى موقعها الحضاري، ودورها الطبيعي الرائد، في مسيرة الإنسان على الأرض، لتمارس دورها الذي حدده لها القران الكريم بقوله:

(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)(البقرة:143).

لقد كان في طليعة الوعي والكفاح العلماء والمفكرين الإسلاميون...العلماء الذين قادوا عمليات الجهاد والتحرير، ورجال الفكر الذين أيقظوا وعي الأمة وحسها الذاتي..

لقد كانت الحوزة العلمية في النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية أهم مراكز الإشعاع والمقاومة، وفيها رجال قادوا معارك التحرير ضد الاحتلال البريطاني للعراق، في الحرب العالمية الأولى.. وفي ثورة العشرين الخالدة فكان من قادة التحرير الشيرازي، الحبوبي، الحيدري، محمد الصدر، وشيخ الشريعة، والسيد محسن الحكيم، والشيخ مهدي الخالصي، والشيخ عبد الكريم الجزائري. وكان من رواد الإصلاح الفكري كوكبة من العلماء والفقهاء أمثال الشيخ البلاغي، والسيد الشهرستاني، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ مهدي الخالصي، والشيخ محمد رضا المظفر، والشيخ محمد أمين زين الدين، والشيخ عبد العزيز البدري، والسيد محمد باقر الصدر وغيرهم.

لقد كانت نداءات الإصلاح، وجهود المصلحين تتكاثف وتتبلور على شكل مشاريع إصلاحية، من خلال الكتابة، التأليف، ومنابر الوعظ ، والمدارس، والمعاهد الدينية، والحفلات الخطابية، ومنتديات الأدبية، والمعارضة السياسية، والمقالات الصحفية... غير إن هذه الجهود المخلصة كان يعوزها التكامل، والرؤية التغييريه، والمشروع الشامل والتشخيص الأدق في بعض مواقفه، وكان طبيعيا ان يبدأ الوعي ويسير ويتكامل.

وكما كان الوعي الإسلامي والعمل من اجل أعادة الإسلام الى الحياة يسير في هذا المسار في العراق، كان الوعي الإسلامي يسير أيضا بمستويات

متصاعدة في بلدان العالم الإسلامي. في مصر ،وإيران، وباكستان، وتركيا، والأردن، ولبنان، وفلسطين، والجزائر، واندونيسيا، والسودان.. وغيرها من

بلدان العالم الإسلامي. فظهر الكتاب والمفكرين الإسلاميون، وأنشئت الأحزاب والمنظمات والجمعيات، والجمعيات، والمدارس ودور النشر والصحافة

الإسلامية..تدعو لإقامة الإسلام منهجاً للحياة وأساساً لبناء الفرد والمجتمع والدولة والحضارة، وظهر كتاب أمثال الشهيد حسن البنأ، والسيد محسن

الامين، والسيد عبد الحسين شرف الدين، والهضيبي، وأقبال، والمودودي، وسيد قطب، ومحمد قطب، وعبد القادر عودة، ومالك بن نبي، والنبهاني،

والنورسي، وناب صفوي وغيرهم.

في إطار هذه الظروف الصعبة والمعقدة، التي كان يمر بها الوضع الإسلامي في العراق، كان هناك اتجاه آخر، يعاكس اتجاه الوعي والتغيير الذي ينادي بإقامة المجتمع والدولة والحياة على أساس الإسلام، ويرى التدخل في السياسة أمراً مرفوضاً، وان من التقوى أن يبتعد المؤمنون عن العمل السياسي.. في ظل هذه الأوضاع كان الشهيد الصدر يبرز ويأخذ موقعه العلمي في الحوزة العلمية، وبالتحديد في فترة الخمسينيات، لقد كان نابغة الحوزة العلمية، فقد بلغ مرحلة الاجتهاد في سن مبكرة، قبل أن يبلغ العشرين من عمرة، وذلك إنجاز علمي لا يتحقق إلا للنوابغ الأفذاذ..

ومع تفتح نبوغه العلمي، في إطار المدرسة الفقهية والأصولية تفتح وعيه للفقه والرسالة فوعاها بعمق، وفقه محتواها بوعي أصيل. لقد وعاها وعياً

اجتماعياً وبنائياً، لذا شخص مسؤوليته في أن يعمل على بناء الحياة على أساس الشريعة، وليست مسؤولية محصورة في بذل الجهد لاستنباط الأحكام

الشرعية، ليجاب السائل إن سأل، فان المسؤولية ذاتها تتشخص في وجوب استفراغ الوسع العلمي في تصحيح مسار الأمة، وإحداث عملية التغيير،

وإعادة الإسلام إلى الحياة، وبناء المجتمع والدولة والحضارة على أساس قيم الإسلام وأحكامه..وهكذا فكر ونقل فكره إلى ميدان التنفيذ.

لقد انصب تفكير الشهيد محمد باقر الصدر(رض) على العمل على إنقاذ الأمة، مما هي فيه من تخلف، وركود، وضياع، وظلم، واستبداد، وهيمنة

المستعمر الكافر، وأعادتها للإسلام العظيم.. وتفاعلت هذه الأفكار في نفسه، في الوقت الذي كان هناك طليعة من العلماء والمثقفين الإسلاميين يحملون

الهم التفكير ذاته..

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

قيم هذا المقال

3.13