هل حاجتنا إلى العبادات أساسية؟

(عدد القراءات : 4644)
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
هل حاجتنا إلى العبادات أساسية؟

كما في كلّ مدرسة ناهضة، ومعهد تعليمي متقدِّم، فإنّ الدراسة والتعليم والتربية في (مدرسة الدِّين) تنقسم إلى قسمين رئيسين: (نظري): أفكار وتعليمات وإرشادات ومعلومات وخطوط عامّة. و(عملي): فرائض وتكاليف، وممارسات وتطبيقات وإجراءات وبرامج. الجانب النظري كان حصّة موضوع رحلة كل شاب وفتاة الى التدين الصحيح في باب المراهقة والشباب على الرابط التالي:- http://www.balagh.com/pages/tex.php?tid=104 حان الآن الحديث عن الجانب الثاني الذي يمكن تشبيهه بأعمدة البناء التي بدونها يتصدّع وينهار.. إنّها (قوائم) يقوم عليها، و(مساند) يستند إليها، وإلاّ فبناء الدِّين ليس معلّقاً في الفضاء أو سابحاً في الفراغ. هذه الأعمدة والقوائم والمساند هي (العبادات) وهي خمسة أعمدة أساسية، وهناك أعمدة أخرى ملحقة بها تعضد البناء وتقوِّيه أكثر، وهي: 1- (الصّلاة): ومنها (الدعاء) والتضرّع والاتجاه إلى الله عند الشداد والضرورات القصوى (الإضطرار)(1). 2- (الزّكاة): ومنها (الصّدقات) و(التبرّعات) والضرائب الماليّة. 3- (الصوم): ومنه (الصّبر والمقاومة). 4- (الحجّ): ومنه (الاستجابة والامتثال والطاعة). 5- (الجهاد): ومنه (بناء الذات والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر). وكما لاحظت التكامل في مدرسة الدِّين: مديراً ومعلِّمين وتلاميذ ومنهجاً مقرّراً، وامتحانات ونتائج، فهي تعمل كفريق عمل متكامل، فإنّ التكامل في التطبيقات التي هي طقوس وشعائر وممارسات عباديّة، وترجمة عمليّة للمنهج المقرّر، يمكن أن تلاحظه من خلال الترابط العضوي الوثيق بين هذه العبادات، وهو ما سنوضِّحه بالطريقة البيانيّة (وسيلة الإيضاح) التالية: هناك حالات من الخلل والضعف والتراخي والمرض التي تصيب كل إنسان فتُقعده عن العمل والعطاء، ممّا يستدعي معالجتها بما يناسبها من أدوية وعلاجات شافية، وفيما يلي قائمة بأهمِّها: 1- الغفلة والسّهو والنِّسيان. 2- البخل والمنع والأنانيّة. 3- التنازع والتمزّق والهزيمة. 4- الشطط(2) والانحراف والجريمة. دور الدِّين هنا دور الطبيب المداوي والمعالج والخبير المختصّ الذي يُشخِّص المرض بدقّة ويضع لكلِّ داء دواء بعناية، فكيف عالج الدِّين حالات الخلل المذكورة؟ 1- عالج (الغفلة) بـ(الصلاة) كونها ذكراً وتذكيراً، وصلة وصل، وشكراً ودعاءً، وارتباطاً والتجاءً. 2- عالج (البُخل) بـ(الزّكاة) كونها عطاءً وتبرّعاً، وتطوّعاً وانفلاتاً من قبضة الشحّ، وتحريكاً للمال في داخل المجتمع، وتزكية للنفوس بتعويدها على العطاء، وخلق حالة من التكافل والتواصل الإنساني الحميم، أي الممزوج بالرحمة والمحبّة والإيثار. 3- عالج (الضّعف) بـ(الصوم) كونه ممانعة وامتناعاً ذاتيّاً، وتربية لحاسّة الصّبر عند الإنسان لمواجهة الصعوبات والمصائب والإنهيارات الحادّة. 4- عالج (التشتّت) بـ(الحجّ) كونه تلبيةً واحدة، واستجابة جماعيّة، وزماناً ومكاناً، وشعائر موحّدة، أي إنّه استقطاب للجميع حول محور واحد. 5- عالج (الانحراف) بـ(الجهاد) الذاتي منه، أي الإعداد التربوي والنفسي والروحي، وتنقية السلوك من الشوائب والمنزلقات، أو الكفاح ضدّ الظّلم ومقارعة الإستبداد، وما يتطلّبه ذلك من نصرة المؤمنين والبراءة من أعدائهم، لتخليص الناس والمجتمع من شرور وآفات الظّلم، والتحكّم بحرِّيات الناس. وخلاصة معالجة أيّ انحراف – في مدرسة الدِّين – طريقان: 1- المنع من كلّ سلبي (النهي عن المنكر). 2- الدعوة إلى كلّ إيجابي (الأمر بالمعروف). - حرِّية والتزام: الدِّين الإسلامي كالشجرة له (أصول) وله (فروع)، أصوله (العقائد) وفروعه (العبادات). في الأصول.. أنتَ مطالب بالبحث والسؤال والمناقشة، وأن تقوم برحلة استكشاف حرّة، فالدِّين واثق من نفسه ولا يريد لأتباعه أن يكونوا مقلِّدين في أساسياته وحقائقه الكبرى، ومنها توحيد الله: (لا إله إلا الله)، والنبوّة (محمّد رسول الله)، والمعاد (وإنّا إليه راجعون). في الفروع.. تختلف المسألة.. تتوقّف الحرِّية لتبدأ الطاعة والامتثال والالتزام، أي أنّ الرحلة الحرّة تنتهي لتنطلق رحلة التنفيذ بلا مساءلة ولا اعتراضات، فطالما ناقشت هناك وأشبعت الأمور بحثاً وتأمّلاً ودراسة، فلم يبقَ إلا الإلتزام والتنفيذ؛ لأنّ مرحلة التنفيذ لا تتحمل الأسئلة المُعطّلة التي تُربك الخطّة وتزلزل المشروع. لنشبِّه ذلك بمثال: إذا أردتَ الانتماء لنادٍ معيّن، فإن ذلك يتطلّب منك أوّلاً (الاعتراف) بالنادي، (والثِّقة) بالقائمين عليه (إدارة ومدرِّبين)، و(الإطِّلاع) عن كثب على برامجه وفعاليّاته، وأساليبه وأهدافه، فما يكون لديك قناعةً كلِّيّةً واطمئناناً راجحاً يُعبّر عنه (العقد) الذي بينك وبين النادي، أو بين النادي وبين المنتمين إليه، ممّا يجعلك مُلزَماً بالقيام بأيِّ عملٍ يطلبهُ النادي منك، لأنّك آمنتَ به وبسياساته وبرامجه، ووثقتَ بخطِّه العام، فلا تجد في نفسك حرجاً من ذلك، خاصّة وأنّ سياسة النادي تقوم على (العمل بالتكاليف) من جانبك و(المكافأة والتكريم) من جانبه، وللإمتناع ضريبته أيضاً، فأنتَ تتحمّل – جزء من شروط العقد – العقوبات التي تُفرَض عليك للتقصير في أداء واجباتك. - رحلة (العالِم) و(طالب العلم): طلبَ أحد التلاميذ من أحد الأساتذة الكبار المشهورين بعلمهم النوعي، أي يصحبه ليتتلمذ على يديه. قال المعلِّم للتلميذ: هل تعترف وتؤمن بأنني أستاذ قدير؟! قال التلميذ: تمام الإعتراف وكلّ الإيمان. قال الأستاذ: هل تعترف أنّ ما عندي من علم ومعرفة أغنى وأعمق ممّا لديك؟ قال التلميذ: أقرُّ بذلك وأعترف. قال الأستاذ: إذن هل تتّبعني في غير سؤال ولا استفهام ولا احتجاجات ولا اعتراضات؟ قال التلميذ: وهل أتّبعك اتِّباع الأعمى، وانقياد الضّرير لمَن يقوده.. أين حرِّيتي إذن؟ قال الأستاذ: الأعمى – يا هذا – إنسانٌ واقعيٌّ.. اعترفَ بفقره وعجزه، فأسلم قياده وزمامه لمَن يقوده، وهو – عادةً – لا يختار الشخص الذي يقوده إلى (التهلكة)، بل يختار الأشخاص الموثوقين المأمونين الذين يوصلونه إلى مقصده وهدفه ومكانه الذي يُريد.. أليسَ كذلك؟! قال التلميذ: ولكنني لستُ أعمى.. أرى وأنظر وأعرف طريقي جيِّداً! قال الأستاذ: أن ترى (سطح) الأشياء يا ولدي شيء.. وأن ترى (عمقها) وباطنها شيء آخر، وإلاّ ما الذي دفعكَ إلى أن تصحبني؟! قال التلميذ: أن (تُريني) ما لا أرى، أو ما لا أستطيع رؤيته بنفسي. قال الأستاذ: إذن توافق على شرطي ولا تخالفه؟ قال التلميذ: لكَ ما شرطتَ، سأتبعك من غير سؤال ولا اعتراض. وانطلق العالِم (النِّحرير)(3) وطالب العلم (الفقير) في رحلة العلم العمليّة، فكان العالِم يقوم بأعمال تُدهش التلميذ فيراها بحسب ما لديه من معلومات ضئيلة أنها مخالفة للقانون، وكان يسأل أستاذه في كلِّ مرّة: لماذا فعلتَ هذا؟! أليس هذا خروجاً عن القانون؟ وفي كل مرّة يُذكِّر الأستاذ التلميذ بالشرط الذي اشترطه عليه، والعهد الذي قطعه على نفسه في أن لا يُقاطع أستاذه أو يعترض عليه.. وأن يُسلِّم بكل ما يعمله تسليماً(4). هذه القصة تختزل وتختزن قصّتنا مع العبادات، فطالما أنّ الله تعالى هو الذي شرّعها (وضعها لنا)، وهو لا يعمل إلا ما هو (حكمة) و(مصلحة) و(منفعة) و(عدل)، فإننا نطيع ونمتثل ونلبِّي حتى إذا لم نعرف الخلفيّة أو السّبب أو العلّة. الأستاذ الحاذق القدير وصاحب العلم الغزير – في القصّة – كشف فيما بعد لتلميذه عن سبب كلّ عمل عمله، ولكنّه أراد أن يقول له كلمة مهمّة، وهو أنّ الذي يتّق الله بعالِم كبير ونحرير وقدير، ثقةً مطلقة، يجب أن (لا يتّهمه) في علمه، بل يتّهم نفسه بالجهل وبالقصور وبالمحدوديّة في العلم والمعرفة(5). - هل الحاجة إلى العبادات أساسية؟ الحاجة إلى العبادات ثابتة لا تتغيّر، كانت منذ بداية الدِّين، وهي قائمة إلى يوم الدِّين. صاغها الله تعالى كمصاحبة للزّمن في كل محطاته، فليس لها محطّة تتوقّف أو تترجّل عندها؛ لأنّها تنظيم للعلاقة بين (الله) وبين (الإنسان)، وما دام الإنسان بين الإثنين هو المحتاج إلى ذلك لأنّه المستفيد الأوّل والأخير، فلن يأتي اليوم الذي يجد نفسه في غنى عن عباداته. هناك ثلاث حاجات أساسية وثابتة في حياة كلّ إنسان: 1- الحاجة إلى الارتباط باللاّنهائي، واللاّمحدود، والمطلق الذي يسع كلّ شيء. 2- الحاجة إلى الخروج من دائرة الذات إلى فضاء الناس، أي من (الإثرة) إلى (الإيثار). 3- الحاجة إلى الرّقابة الداخليّة والشعور بالمسؤولية. هذه الحاجات تحتاج إلى شيء من التوضيح والتبسيط: 1- الحاجة إلى الانفتاح على عوالم أوسع: يضيق بك المكان فتبحث عن كل مكان أوسع.. حيث تضيق بالغرفة فتخرج إلى الصالون، وتضيق بالصالون فتخرج إلى الحديقة، وتضيق بالحديقة فتخرج إلى الشارع، وتضيق بالشارع فتركب السيارة لتقوم بجولة في المدينة، وتضيق بالمدينة فتخرج إلى أحضان الطبيعة.. وهكذا. منذ فجر الإنسان، راحَ الإنسان يبحث عن السِّعة في كلِّ شيء، فوجد الإجابة في: (السفر) وفي (التطلّع نحو الفضاء) و(النظر في السماء)، وإذا ضاق به المكان لم يستطع أن يخرج من حَلبته فإنّه يُطلق لخياله العنان ليسبح في عواملم لها بداية وليس لها نهاية. ويضيق بك المكان، فلا تقبل أن يكبِّلك الماضي وأن يقيِّدك الحاضر.. فترمي بعينيك نحو المستقبل، وسؤالك الدائم: كيف يكون غدي أفضل وأسعد من يومي؟ ويضيق بك الفكر فلا تُسعفك أفكارك في الحصول على مآربك النفسيّة والروحيّة والعقليّة، فتتجّه إلى (الكتب) توسِّع بها آفاقك.. وإلى (العلماء) لينوِّروا لك طريقك.. وإلى (الترجمات) لتعطيك ما لم تحصل عليه في اللّغة الأم.. وإلى (الأقمار الصناعية) لتعدِّد لك قنوات المشاهد.. وإلى (نوافذ) الشبكة العنكبوتية (الانترنيت) لتتجوّل في مساحات تنفتح على مساحات، وفضاءات تُطلُّ على فضاءات، ومن أفق إلى أفق أوسع، ومن رحابة إلى ما هو أرحب، وهلمّ جرّاً! ويوم ضاقت الأرض بما رحبت، راح يفكِّر بغزو الفضاء، فأرسل مركبات الفضاء تستطلع الحياة في الكواكب الأخرى. إذن طبيعة البحث عن (السعة الواسعة) طبيعة إنسانيّة.. حاجة إنسانيّة، غريزة إنسانيّة.. ومن الأفكار المجرّدة إلى التطبيقات: أنتَ تتهيّأ وتستعدّ إلى الامتحانات النهائية استعداداً جيِّداً، لكنّك وأنت تدخل قاعة الامتحان تسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينك على أدائه بأحسن صورة، وأن يوفِّقك للحصول على أعلى الدرجات. وبينما يفتح أبوك باب دكّانه الذي زوّده وجهّزه بالبضاعة، يرمق السماء بعينه ويخاطب الله: يا فتّاح يا عليم.. يا رزّاق يا كريم. ويحرث الفلاّح أرضه ويزرعها ويسقيها ويتعهّدها ولسانه لهج بذكر الله لا يفتر ولا يبرد: اللّهمّ هذا ما أستطيع فأعنِّي على ما لا أستطيع وبارك لي فيما زرعت. ونركب السيّارة كعائلة، وقد غذّيناها بالبنزين، وفحصها الميكانيكي قبل الانطلاق، وزيّت ماكينتها بالزيت، وعبّأ إطاراتها بالهواء، ولكنّنا ونحن نضغط على دوّاسة البنزين في أوّل الطريق نلتفت إلى الله نسأله أن يلتفت إلينا بعنايته ويوصلنا بالسلامة.. والأمثلة كثيرة وواسعة سعة الحياة. السؤال هنا: لماذا نلتجأ إلى (الله) وقد أخذنا لكلّ شيء أهبته، وأعددنا لكل احتمال ما يقينا سيِّئاته؟ هناك جواب واحد لا غير: لأنّ كلّ الذي قمنا به لا يتعدّى (حدودنا) و(قدراتنا) و(احتياطاتنا). الحاجة إلى ضمانات أكبر.. وقدرة أوسع، ورفد أغنى، ومَدَد يأتي من خارج حدودنا.. ليس مسأل مزاجيّة.. هي في صميم شعورنا الداخلي بالحاجة إلى (الحامي) و(السند) و(المَدَد اللاّمحدود. إنّ الباخرة التي تتعطّل في وسط البحر، فيتقاذفها الموج الهائج الغاضب، وتتلاعب بها الرِّيح العاصفة القاصفة، قد أعدّ ربابنتها قوارب نجاة في حال تعرّضها للغرق، لكنّ هذه القوارب قد لا تُنجي، فإلى أين يفرّ الذين يتهدّدهم الغرق وليس لهم من منفذ آخر؟! إننا بعد أن نستنفد كلّ الوسائل المادِّية التي تحت يدينا لا نيأس ولا نستسلم. إننا نلتجئ إلى قوّة غير مادية وغير مرئية نستنجدها. إستمع إلى هذه القصّة الواقعيّة: ذاتَ يوم سقط رجلٌ في البحر، وكانت في انتظاره حوت كبيرة فاتحة فمها لتبتلعه، فانزلق في داخلها وأطبقت فكّيها.. وجد الرجل نفسه في ظلامٍ دامسٍ ليس فيه أيّ بصيص من النور، ولكنّه وهو يتخبّط في أمواج الظلام ويتعثّر بأحشاء الحوت.. هناك في كبد الظلمة.. أضاء عقلهُ بفكرة.. وارتاحت نفسهُ لخاطر.. قال: الذي صنع الحوت، والذي صنعني وصنع البحر وبيده حياتنا وموتنا هو واحد.. وهو موجود في كلِّ مكان حتى الذي أنا فيه الآن.. وبكل الضراعة والخشوع.. مدّ يدي عقله ويدي قلبه.. ويدي روحه.. ويدي اضطراره.. ويدي أمله، وقال: لا منقذَ لي ممّا أنا فيه إلا أنت يا ربّ.. فأتتهُ النجدة.. فإذا الحوت يلفظهُ (يُطلقه إلى الخارج) وكأنّ معدته ترفض أن تهضمه!! هذه هي قصّة النبي يونس (ع).. (ذو النّون)، والنون الحوت، أي صاحب الحوت، وقلنا إنّها واقعية لأنها وقعت بالفعل، ولأنّ ناقلها لنا هو أصدق القائلين، ولكنّ السؤال: هل سبقَ في علم يونس (ع)، أو هل سمع في حياته أنّ تجربة كهذه وقعت لغيره فاستفاد منها؟ من أين عرف أنّ النجاة ممكنة؟ ألم تكن الحيتان قبله تبتلع ما يدخل إلى جوفها فلا تُخرجه؟ فكيف تعلّق بالأمل حيث لا أمل؟! يونس (ع) يقول لنا: إنّ السّبل إذا ضاقت بك فإنّ هناك دائماً ما ينفتح على (السعة) التي لا تضيق.. إنّ هذا ما توفِّره العبادة الحقيقية وبالتالي (الدِّين) لأتباعه، وليس هناك في أيِّ المؤسّسات غير المؤسّسة العبادية الدينية مَن هو قادر على (التأمين على الحياة) كالله تبارك وتعالى. 2- الحاجة للخروج (الذاتية) إلى (الغيرية): الذات.. هي أنت. والغير.. هو الآخر (أباً كان أو أمّاً، أو معلِّماً، أو صديقاً، أو زميلاً أو زوجاً.. أو أيّ إنسان آخر). والإنسان بطبعه أناني.. ميّال إلى الاستحواذ على كل شيء، ولا يريد الخير إلاّ لنفسه، ولا يفكِّر بالآخر إلا بمقدار ما ينفعه ذلك، ويعزّز مكانته، ويرفع رصيده. هو أشبه بدودة القز التي تلفّ الحرير حول نفسها.. المهم أن أتدثّر بالحرير وليقتُل الناس (العُري) و(البَرْد) و(العَوْز) و(القشعريرة). هو يعمل في سبيل ذاته.. في سبيل زيادته.. في سبيل حمايته.. في سبيل أن يكون هو ولا يكون غيره.. مصلحته فوق كلّ شيء.. ومنفعته هي الهدف الأعلى. ما الذي يصنعه الدِّين كمهذِّب لسلوك الإنسان؟ إنّه يُخرجني من شرنقتي.. يسحبني إلى خارج قوقعتي.. يقول لي: أخرج لترى (النّور).. فانزواؤك وانطواؤك في داخل القوقعة.. حُكْم بالسِّجن على أن تكون قابعاً داخل العتمة لا ترى شيئاً ما حولها.. إنّه يربِّي في نفسه أنّ إطار العالم ليس جدران نفسي.. بل هناك عالم آخر أوسع من عالمي يمتدّ منِّي إلى (الآخر القريب) وينتهي إلى (الآخر البعيد) ويحملني عن أن (أُسعد) غيري كما أُسعد نفسي، و(أنفع) غيري كما أنفع نفسي.. و(أرتقي) بغيري كما أرتقي بنفسي.. و(أحقِّق) بغيري ما لا أستطيع تحقيقه بنفسي. لوحدي أصنع عالمي الضيِّق مهما اتّسع.. لكنني أنا والآخر نضع عالمنا الذي نتّسع به نحن الاثنين معاً. العمل من أجل الآخر ونفعه وسعادته والإرتقاء به هو عملٌ محبّذ، والدين يعلِّمني أنّ كلّ عمل في خدمة الآخ الإنسان هو عملٌ في سبيل الله، وهو عملٌ من أجل الناس والإنسانيّة، فعباد الله إخواني وأنا مسؤول عنهم كما أنّهم مسؤولون عنِّي. وإليك القصة الواقعية التالية التي تُقرِّب لك الفكرة وتوضِّح المعنى: كانت هناك عائلة فقيرة لا تملك إلا قوتَ يومها وأحياناً أدنى من ذلك، لكنّها ترى نفسها أنّها في نعمة الله وأنّها غنيّة طالما أنّها تحبّ الله وتعبده وتعملُ في سبيله، أي تحب عباده و(عياله) وهم الآخرون من الناس. كان الأبوان صائمين، ولم يكن لديهما في إفطارهما سوى الخبز.. وعند الإفطار طرق بابهما (فقير) يتصدّق ويطلب المعونة، فقرّرا أن يعطياه خبزهما عطفاً عليه، ولعلمهما أنّ الله يحبّ مساعدة الفقير وسدّ جوعة الجائع، وفطرَ الأبوان الصائمان تلك اللّيلة على الماء. في اليوم التالي يتكرّر المشهد، فيأتي عند الإفطار محتاجٌ آخر، فيرقّ له الصائمان، فيفعلا معه كما فعلا بصاحبه بالأمس. في اليوم الثالث، حصل ما حصل في اليومين السابقين. نظر الله تعالى – من عليائه – إليهما مُبتسماً.. قال لهما: طالما ساعدتما (عيالي) وهم الفقراء، وعزّتي وجلالي لأعطينّكما جنّتي!! كيف فكّرا بالموضوع، ولماذا فعلا ذلك؟ قالا في نفسيهما ولبعضهما: إنّ الخبز نأكله ويذهب.. وإنّ الخبز نُعطه ويبقى! هذا المحتاج.. هؤلاء المحتاجون.. هم (مبعوثو الله إلينا) ليُقرِّبونا إليه أكثر.. وليرفعوا درجتنا عنده أكثر؛ لأنّ خيرَ الناس مَن نفع الناس، ولأنّ الله يُجازي على الحسنة بعشر أمثالها.. هذان المتديِّنان.. كان يمكن أن يُغلقا (بابهما) فلا يفتحانه لمحتاج.. ويغلقا (أذنيهما) فلا يسمعان استغاثة المستغيث.. ويغلقا (يديهما) فيقبضاها كل القبض فلا يعطيان شيئاً.. ويغلقا (قلبيهما) فلا يرقّ ولا يرأف لحال الفقير الذي يُمزِّق أحشاءه الجوع.. وكان أذانهما أرهف سمعاً لصرخات جوع المحتاج.. ويداهما أسرع لوضع اللّقمة في فمه.. وقلباهما أرقَ شعوراً بألم الجوع الذي يعانيه هذا الذي تناول عن حياته وجاء يطرق بابهما.. ولذلك لم يتردّدا في فتح (بابهما) للسائل والمحروم، لأنّه – كما تعلّما ذلك في مدرسة الدِّين – هو المتفضِّل عليهما لأنّه جاء إليهما يحمل (زادهما) إلى الآخر! لقد باتا جائعين بمعدات فارغة.. لكنّهما باتا سعيدين بنفوس ممتلئة! أنظر.. ودقِّق النظر في الفرق بين المشهدين: بين مَن يفكِّر أن يعطي (زاده) وبين مَن يعتبر أنّ السائل أو الطالب (يقدِّم له زاده)؟!(6). إئتوني بمصنع ما من مصانع العالم قادر على أن يصنع مثل هذا في نفسي أو في نفسك ونفس الآخر غير (الدِّين).. وإذا كان هناك ما لم تطّلع عليه وأغفلناه غير عامدين، فسنكون من الشاكرين الذاكرين العارفين لكل مَن يُخبرنا أو يُطلعنا أو يدلّنا عليه؟! 3- الشعور الداخلي بالمسؤولية: (القانون) يضع عقوبات على المخالفات الخارجية.. أمّا المخالفات الداخلية فلا شأن له بها.. إنّه يقف عند عتبة الجرائم المرئيّة.. القانون لا يعاقبك إذا كذبتَ وهو لا يعلم بكذبك، ولا يعاقبك على خيانتك إذا لم يُسجِّل بلاغاً بهذه الخيانة، بل لا يعاقبك على مخالفة أو جريمة أو جناية منظورة لكونها لم تقع تحت بصره، فقد لا يعاقب السارق إذا لم يشاهد سرقته بأمِّ عينه، أو لم يبلّغ أحدٌ ضدّه. القانون يستطيع أن يمنع الكثير من الجرائم ما دام (مراقباً) جيِّداً: يفتح عينيه في النهار.. ولا ينام في اللّيل، ولا يغفل عن المناطق البعيدة أو المغلقة، ولكنّه – مهما تطوّر – يبقى في غفلةٍ من جرائم كثيرة لم يرصدها، أو سجّلها ضدّ مجهول وأقفل التحقيق. إذا غاب القانون.. إذا نام القانون.. إذا ترخّى القانون، لعب الفأرُ في غياب القطّ، وتحلّل وتحرّر الخارجون عليه من سلطته لينهبوا ويقتلوا، ويضعوا أو يصنعوا من أنفسهم قوّة بديلة عنه ليُرهبوا الناس ويستولوا على ممتلكاتهم، ذلك أنّ المخالفة تكون في مأمن إذا غابَ القانون حتى من الذين يراعون القانون وهو يراقبهم. (التحايل) على القانون ممكن شواهده كثيرة.. و(التلاعب) بالقانون ممكن وأمثلته لا تُحصى.. و(القفز) على القانون ممكن ونماذجه متزايدة ومن حرّاس القانون أحياناً.. ولذلك فإنّ القوانين لم تنجح في إغلاق الباب على الجرائم التي تُرتكب وراء ظهره، وبالتالي فهو لا يعرف (الضمانات) الكافية التي تقلِّل أو تحدّ من أو تمنع من وقوع الجريمة، حتى الكاميرات المزروعة في الأسواق التجارية الفخمة التي استعان بها الإنسان لتكون عيونه الإضافية المراقبة لها قدرة محدودة، وحتى المخبرون لهم مساحة تحرّك معيّنة.. فما هو الحلّ إذن؟ العبادات (الدِّين) جاء ليكمِّل النصّ ويسدّ الثّغرة. زرع في داخل كلّ إنسان متديِّن (رقيباً داخليّاً) (عيناً داخليّة) (كاميرا خفيّة) جعل من نفسه رقيباً على نفسه، ولم يُسقط رقابة القانون، وحتى لو غفل القانون أو نام فإنّ هذا الرقيب يقظ وعيونه مفتوحة دائماً، وهو معنا أينما كنّا وخاصّة في الأماكن التي نخلو فيها لنزواتنا وشهواتنا ومعاصينا التي لا ترصدها العين المجرّدة أو عين الكاميرا الخفيّة. فحينما تريد أن ترتكب معصية وتحدِّثك بـ(الإمتناع) والتحرّج والكفّ، فما الذي يمنعك من ارتكابها وليس هناك إلا أنت؟ وحينما يقع مالُ الآخرين تحت يديك ولا أحد يُراقبك منهم، فإنّ يدك لا تمتدّ أو تتطاول لتأخذ شيئاً منه حتى إذا لم يعدّوه أو يحسبوه وراءك.. فما الذي يُمسك يدك ليحجزها أو يحجبها عن التقاط المال؟ وحينما تتعهّد – لأيّة جهة – وتلتزم بتعهّداتك حتى مع انعدام الرقابة الخارجية أو غيابها، وحتى مع عدم وجود ورقة تثبت ذلك، فما الذي يجعلك تلتزم وتنفِّذ شروط العقد أو بنود العهد؟ وحينما تكون في غرفة مغلقة أو في البيت وحدك، وحولك شيء أو أشياء من الممنوعات ولا تقترب منها، فما الذي يجعلك تتركها وتبتعد عنها وليس هناك مَن يراقبك أو يعاقبك؟! يُروى أنّ غلاماً دخل بستاناً ولم يأخذ من فواكهه الشهيّة الزكية الطريّة التي يسيل لها اللّعاب شيئاً، وكان البستاني (الفلاح) في مكانٍ ما من البستان يراقبه، حتى إذا أنهى الغلام جولته داخل البستان ولم تمتدّ يده لأيٍّ من أشجاره وثماره بالسوء والسرقة، جاءه البستاني وقال له: لِمَ لَمْ تأخذ شيئاً من هذا البستان مع كثرة أزهاره وأشجاره وثماره اللّذيذة المتنوِّعة، ولم يكن هناك رقيب تخشاه؟! قال الغلام: إنّ نفسي كانت معي، وكرهتُ أن أرتكب القبيح أمامها فأبدو صغيراً حقيراً في نظرها! فسُرّ البستاني بجوابه وأدبه ونزاهته وقدّم له سلّة من الفواكه الملوّنة وباقة من الأزهار العطرة على أمانته!! وفيما يلي قصّة واقعيّة تُبيِّن لنا بالصورة الحيّة المتحرِّكة كيف يعمل القانون الداخلي.. أو الرقابة الداخلية، أو ما يحلو للبعض ما يُسمِّيه بالشرطي الداخلي. ذات يوم طَلِقٍ، وفي قصرٍ ضخم، حاولت امرأة جميلة – سيِّدة القصر – أن تُغري خادمها الذي معها في القصر أن يرتكب معها الفاحشة.. تزيّنت له وتبرّجت.. وغلّقت كل أبواب القصر مخافة أن يدخل عليهما شخص من الخارج فيشهد الفضيحة، ودعت الخادم الشاب إلى ممارسة الرذيلة معها.. الشاب الذي صعقته المفاجأة، وجد نفسه محاصراً من جميع الجهات.. جمال المرأة الطاغي.. رائحة الشهوة المتصاعدة.. والأبواب المقفلة قفلاً محكماً. إنّه شاب متديِّن.. وهو يعلم من خلال تربيته الدينية أنّ هذا العمل منكر وقبيح وجريمة.. فكيف يفلت من قبضة الأجواء المحيطة؟! كان لدى المرأة طفلٌ في المهد (وقيل صنمٌ على الرّفِّ)، فألقَت على وجهه غطاءً حتى لا يراهما. سألها الشاب: لماذا فعلتِ هذا؟ قالت: لئلا يرانا ونحن فيما نحن عليه؟ قال الشاب المتديِّن: تخشين من نظرة طفلٍ (أو صنمٍ جامد) يراقبنا.. ولا أخشى من نظر الله المطّلع علينا؟! لكنّه سرعان ما انتبه متسائلاً: هذه ليست زوجتي.. ليست حليلتي.. هي زوجة رجل آخر إئتمنني على بيته، كيف أخونه وهو غائب؟ لا لن يكون ذلك.. فرّ من بين يديها، فهرعت نحوه وهي تقول: لماذا أنتَ خائف؟ ليس هناك مَن يعلم بهذا؟ قال لها: لسنا وحدنا. تلفّتت فلم ترَ أحداً .. قالت: لا أرى غيرنا.. مَن تعني؟ قال الشاب المتديِّن: إنّ ربي الذي (يرى) و(يسمع). ولمّا لم تنفع معه كل الحيل والترغيبات، قالت له: سأفضحك بأنّك أردتَ الاعتداء على شرفي إذا لم تنزل عند رغبتي، وسآمر الحرس أن يُلقوك في السّجن، فقال لها: هذا أهوَن من أن أعصي ربِّي!! سؤال على هامش القصّة(7): لو كان هناك شاب آخر غير متديِّن.. غير مُلتزِم بشيء.. غير آبِه أو عابئ بأيّة رقابة، هل كان يتردّد في الاستجابة لدعوة تلك المرأة الداعرة (الخائنة) ليُمارس معها المعصية؟ أين الفرق بين الاثنين؟ كلاهما في مرحلة الشباب.. في فترة فوران وطغيان الغريزة.. كلاهما يتعرّضان لنفس الموقف الصعب المحرج والمغري جدّاً بلا اختلافات ظاهرية، أي أنّ الظروف المحيطة واحدة.. فلماذا يمتنع الأوّل، وهو لا يشتكي من نقصٍ في الذكورة والرجولة، ويستجيب الثاني بلا أدنى تردّد وبسهولة؟ ليس هناك إلاّ سبب واحد: الثاني لم يكن كذلك يعاني من (نقص الرجولة) بل كان يعاني من (نقص التديّن) أي من ضعف في الحراسة أو الحماية أو الرقابة الداخلية. فمَن أو ما هذا (الشرطي) أو (الحارس) أو (الرّقيب) الذي جعل الأوّل (يمتنع) ويرتدع، وجعل غيابه أو انعدامه عند الثاني يتحمّس و(يندفع)؟ يُسمِّيه البعض بـ(الضمير) ويُسمِّيه آخرون بـ(الوجدان)، وبحسب اللّغة الدينية فإنّ اسمه (التقوى)، ويُقال له (الورع) أيضاً. إنّه ليس عُشباً صحراويّاً ينبت بلا زراعة.. أو طُحلباً ينمو على حوافي الأحواض بلا تدخّل في غرسه وإنمائه.. إنّه غرسة في حديقة الدار يتعهّدها الغارس يومياً بالسقاية والعناية والرعاية، ويُبعد عنها الأعشاب الضارّة التي تمتصّ نضارتها وتصيبها بالذبول والهُزل. إنّ لهذا (المنبِّه): الضمير، الوجدان، الرقيب الداخلي، الوازع الديني، المحرِّض الأخلاقي، الضمير.. الشعور بالمسؤولية، صوتٌ يُشبه صوت (صفّارة الإنذار) أو (الرادار) ينبِّهك إلى أنّ العدوّ قادم فخذ حذرك وتأهّب واستعد لمقاومته ومواجهته، أو اتّجه إلى الملجأ لتقي نفسك من غارته. هو عند (المتديِّن).. (الله) سبحانه وتعالى. ولذلك قيل: "إنّ ضميراً خالياً من الله كالمحكمة الخالية من القاضي"! - سؤال مشروع: أليست حرِّيتي مهدّدة؟ يمكن لأيِّ شاب أو فتاة أن يطرحا سؤالاً مشروعاً كهذا: هذه العبادات.. هذه الفروض أو الفرائض والواجبات والالتزامات والتعهّدات.. أليست قيوداً تُقيِّد حرِّيّتي؟ ألا تنتقص منها؟ ألا تؤثِّر على اختياراتي فتضيِّقها؟ لابدّ لنا أوّلاً من أن نعرف: إنّ كل نظرة عامّة، كل نظرة أولية، تقدِّم انطباعات سطحيّة.. ربّما تكون مخيِّبة.. وقد تُسبِّب الإحباط، ولكنّ (التعمّق) و(الغوص) هو الذي يكشف (الكنوز) و(الأسرار). العبادات في الإسلام نظام كليّ.. أي أنّها تعمل عملاً تضامنيّاً وتكامليّاً، فهي ليست مفصولة أو مقطوعة عن بعضها.. هي متّصلة ومتداخلة مع بعضها البعض.. ولذلك فكلّ عبادة تنفتح على الأخرى وتغذّيها وتقوِّي من أثرها. إنّ الطبيب الذي يكتب لي وصفة بثلاثة أو أربعة أدوية، يعرف أكثر منِّي حاجتي لكلِّ دواء، وأنّ لكل دواء خصوصيّة أو أثره المحدّد في الشِّفاء، فإذا تناولتُ دواءً واحداً من دون الأدوية الأخرى فقد لا أتماثل للشِّفاء كما ينبغي، وهكذا هي العبادات لا يغني بعضها عن بعض. فللصّلاة دورها، وللصّوم أثره، وللزّكاة فعلها، وللحجِّ وظيفته، وللجهاد والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر موقعه من هذه التشكيلة المترابطة ترابطاً عضويّاً، ولا تعني مقولة إنّ الحجّ للمستطيعين أنّه فريضة أقل من بقيّة الفرائض دوراً أو شأناً، بل لأنّ الله اللّطيف الخبير لا يريد تكليفنا فوق طاقتنا، أو إلزامنا بما هو خارج عن وسعنا وتحمّلنا مادّياً ومعنوياً، وإلاّ فالحج فُرِضَ لـ(تقوية الدِّين)! فإذا نظرنا إلى التشريع (العبادات نظرة توحيدية شمولية متكاملة، عرفنا أنّها – ككلّ متكامل – (حصانة) و(حماية) و(تقنين) و(نظام) و(منهج حياة)، وبالتالي فلا خوف على حرِّيتي من الانتقاص أو الانتهاك أو المصادرة، ما دامت مصونة ومحميّة ومقنّنة بما يحفظ لي حياتي وحياة الآخرين في سلام وهناء. لقد أثبتت تجربة الإنسان الطويلة مع الحرِّية الكاملة المطلقة غير المنضبطة بضوابط، مدمّرة على الصعيدين الفردي والاجتماعي معاً. فالدكتاتور المتسلِّط والمستبدّ – فرداً كان أو نظاماً – يشعر بحرِّية مطلقة؛ لأنّه يعتبر نفسه أنّه فوق القانون، فماذا كانت نتائج الاستبداد والدكتاتوريّة؟ لذلك كلّه، فإنّ قراءة واعية ومستوعبة ومتأمِّلة في نظام العبادات المُصمّم لغاية نبيلة وسامية في حياة الإنسان، وهي (سعادته) في أن نأمل منه الخير ونأمن منه الشرّ، هذه القراءة ستضع أيدينا على أنّ تصوّرنا للحرِّية ضمن العبادة فيه شيء من سوء الفهم. إنّها (كوابح) و(ضوابط) و(تقنيّات) من أجل المصلحة والمنفعة والنظام العام، وليست نتيجة عقدة أو رغبة في تضييق الخناق والتشدّد بلا سبب. وإليك إثباتات ذلك: 1- لا تكليف – في العبادات الإسلامية كلّها – فوق الطاقة: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة/ 286). ولذا فإنّ حدود التشريع هي (القدرة)، فإذا انتهت القدرة أو تعطّلت لمرض أو إصابة أو تعويق أو ضعف شديد لا يُحتمل، توقّف التشريع!! (المصلِّي) يُصلِّي بشكل اعتيادي في ظروفه الصحية السليمة، فإذا مرض وصعب عليه ذلك صلّى من جلوس، وتشقّ عليه العبادة – ومنها الصلاة – في السفر فيختصرها ويقتصر على ما حدّدته الشريعة له. و(الصائم) يصوم ما دام مستقرّاً في بلده، متمتِّعاً بصحّته، فإذا سافر أو مرض تأجّل صومه إلى أيّام أخرى. وغير القادر على تكليف الحجّ ونفقاته.. لا يجب عليه الحجّ.. أي تسقط عنه الفريضة. ومَن ليس لديه مال يزكِّيه، فليس عليه زكاة.. وهكذا. فهل هذا (تقييد للحرِّية) أم هو مساحات مفتوحة للحرِّية، كلّما ضيّق الخناق علينا ضعفٌ أو مرضٌ أو فقرٌ أو سببٌ قاهر؟! 2- العبادات أيضاً محكومة بقاعدة (اليُسر) والتبسيط والسهولة والسماحة: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة/ 185). فالدِّين الإسلامي لا يُجبرك على قراءة القرآن، ولكن يقول لك: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (المزمل/ 20). والدِّين لا يُلزمني على عمل النوافل والمستحبّات، بل يقول لي: هذه أشبه بالمكتبة التي في المدرسة.. بعض الطلبة يكتفي بالمنهج الدراسي والكتب المُقرّرة، يقرأها ويُمتَحن فيها، فينجح ويتخرّج ويحصل على الشهادة. وبعض الطلبة لا يكفيه المنهج المحدّد، فيطلب المزيد، ففتحت له إدارة المدرسة مكتبة يُنمِّي فيها معارفه، ويُلبِّي فيها احتياجاته العلمية والعقلية، ويروِّي عطشه ويُشبع نهمه من كتب ليست إلزامية. المنهج المقرّر (واجب).. لكنّ المكتبة (تطوّع)! 3- لم يجعل الله في أيِّ تكليف عبادي حرجاً عليك: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج/ 78). الطّهارة والنّظافة وتخليص الجسد من النّجاسات التي تضرّه وتشوِّه صورته الجمالية، واجبة، لكنّ الماء إذا لم يتوفّر، أمكنك أن تتيمّم بالتراب. يقول تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ...) (المائدة/ 6). والإنفاق في سبيل الله (لتلبية احتياجات المعوزين والمحتاجين والفقراء) واجب لمَن يتمكّن عليه، ولكن مَن لا يملك الكثير لا يعدم القليل، يقول سبحانه: (وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) (التوبة/ 91). ولذلك عدّد الإسلام الصّدقات ولم يحصرها بالمال فقط، فالكلمة الطيِّبة صدقة، وتبسّمك في وجه أخيك صدقة، ورفع الأذى عن طريق المسلمين صدقة.. والقائمة طويلة عريضة. إنّ (الأعمى) و(الأعرج) و(المريض) يجدون حرجاً وصعوبة في القيام وأداء بعض الأعمال الواجبة (الفرائض)، ولأنّ خالقهم أدرى بمعاناتهم، قال: (لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ) (وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ) (وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (النور/ 61). أي.. مَن له (ظرف) خاصّ.. له (تكليف) خاصّ. 4- وفي حالة العجز والقصور يُرفع التكليف نهائياً: فلا عبادات على الصبيان والمجانين والنائمين والمضطرِّين. فالمضطرّ الذي اضطرّته الحاجة الشديدة كالجوع القاتل مثلاً أن يأكل من لحم الميتة (الحيوان غير المذبوح على الطريقة الإسلامية، والمقتول قتلاً أو الذي مات من مرض رغم أنّ أكل الميتة في الشريعة الإسلامية حرام(8). 5- في مقابل الواجبات والفرائض (العزائم) هناك (رُخَص) ومسامحات وعفو، فالفتاة أو المرأة لا تجب عليها الصلاة في فترة الحيض (الدّورة الشهريّة)، ولا تقضي صلاتها بعد ذلك.. وتؤجِّل صومها لتقضي ما فاتها بعد شهر الصيام. والله تعالى يُعبَد في هذا وفي ذاك.. فالرخصة (نعمة) و(فضل) و(لطف) ومسامحة، وليست انتقاصاً من الأجر، والله يحبّ أن يُطاع في (الفرائض) وفي (الرُّخص). فحتى لو أنني استطعتُ الصلاة كاملة في السفر، لكنني يجب أن ألتزم وأعمل بالرخصة (القصر في الصلاة) وأشكر الله أن سهّل عليَّ ذلك. 6- ومن قواعد الحرِّية في العبادة قاعدةٌ تقول: "إذا شككتَ فابنِ على اليقين". أي لا ترتِّب أثراً على الشك لأنّ اليقين لا يُنقَص إلا باليقين ولا يُنقَض بالشكّ. فمجرّد الشك أنني لم أفعل العبادة لا يكفي في أدائها إلا إذا كنتَ على يقين تامّ من عدم الأداء فأؤدِّي ما عليَّ. 7- وكل شيء مُباح لك و(حلال) إلا ما ثبت بالدليل أنّه حرام، فليس لي أن أجتهد وأقول هذا حلال وهذا حرام إلا بمعرفة ودليل وشهادة، وما لا أعرف حرمته وقد عملته فهو من المعفوّ عنه، وإذا استوقفني شيء لا أعرف هل هو حلال أم حرام سألتُ العارفين، كما يسألُ السائق: أين الطريق؟ إذا سارَ في طريق لأوّل مرّة. هذه وغيرها من القواعد تجيب إجابة عملية على أنّ العبادات في الإسلام ليست قيوداً حديدية، وإنما هي (تمارين) لتقوية الدِّين والإرادة والضمير والتقوى والشعور بالمسؤولية الاجتماعية. - متى تكون ذمّتي بريئة؟ حين تنتهي من عمل في ورشة عمل أو مشروع عمل معيّن وتريد تسليم العُدّة (أدوات العمل) التي سُلِّمت إليك في البداية ووقّعتَ على استلامها، تذهب إلى الجهة التي سلّمتك هذه العُدّة التي استعنتَ بها على العمل لتحصل على (براءة ذمّة). براءة الذمّة تعني أنّك تُسلِّم كلّ ما كان بعُهدتك أو في ذمّتك من أشياء سُلِّمت إليك على نحو (الأمانة) لتُنجز بها عملك. الدِّين يقول لك: براءة الذمّة بالنسبة لي تعني: 1- استفراغ الوسع وبذل أقصى الجهد: فإذا قُمتَ بتكليفك الشرعي على أحسن وجه، ووفّيت بشروطه المحدّدة، وعملتَ ذلك ضمن حدود القدرة والاستطاعة، فإن ذمّتك بريئة. 2- صلاح العمل نفسه: فإذا كان العمل صالحاً، وخالصاً أو نقيّاً من الشوائب، وكان ممّا يحبّه الله ورسوله والمؤمنون، وكان طيِّباً في طبيعته وآثاره، فإن ذمّتك بريئة. 3- صفاء النِّية: فكل عمل تتقرّب به إلى الله تعالى، أي تجعله خالصاً لوجهه وتريد به مرضاته، لا الرِّياء والسّمعة والشهرة والشهادة من الناس، فإن ذمّتك بريئة. 4- العمل بما يعمله الصالحون، الصادقون، الأمناء (الثّقاة) المعروفون بحُسن السيرة بين الناس، يجعل ذمّتك بريئة. 5- إستمع إلى نصائح عقلك، وإلى ما يقوله "الرسول الداخلي"، واستنر بنوره فإنّه بصيرتك وبوصلتك.. فإذا استجبتَ لما يقوله العقل، فإنّ ذمّتك بريئة. 6- الرجوع لأهل الاختلاص: فإنّ أهل الخبرة والتجربة والاختصاص يعرفون أكثر ممّا تعرف، ولديهم إجابات على أسئلة قد لا تهتدي إليها وحدك، فإذا رجعتَ إلى المختصِّين المعروفين بنزاهتهم، فإنّ ذمّتك بريئة. إنّنا سنُطالب – ذات يوم – بالحصول على براءة الذمّة، فهل سنسلِّم الأدوات التي استلمناها (سالمة) أو (معيبة) أو (تالفة).. كيف نحافظ على سلامتها وننتفع بها للوصول إلى حياة أفضل، وكيف نعالج المعيب العاطل منها، وكيف نتفادى تلف ما تبقّى؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) يقول الله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) (النمل/ 62). (2) شطّ: بمعنى خرج عن الطريق الصحيح، سواء في المبالغة أو في التقصير. (3) النِّحرير: العالِم الحاذِق في علمه. (4) هذه القصّة مستوحاة من القرآن في حديث موسى (ع) والخضر (ع)، الذي لديه علم يفوق ما لدى موسى (ع)، والحوار بتصرّف لتقريب الفكرة. (5) قد يقول شاب يلبسه الغرور: أنا أرفض هذا الكلام.. أرفض أن أطيع من غير أن أعرف، كيف ألتزم أو أنفِّذ ما لا أعرف سببه؟! هذا الكلام صحيح لو كان الأمر متعلِّقاً بأوامر الوالدين أو المعلِّم أو صاحب المعمل الذي هو إنسان مثلي يُخطئ ويُصيب، أو شخص هو موضع شكّ وريبة، أما عندما نقف بين يدي الله، فلا نسأله عن حكمته في عمله؛ لأنّنا – سلفاً – آمنّا أنه عليم وحكيم ورحيم ولا يفعل إلا ما هو حقّ وصواب ومصلحة. (6) قصّة التصدّق هذه نقل لنا القرآن واقعها في سورة الإنسان (الدّهر) وأبطالها: عليّ بن أبي طالب (ع) ابن عمّ النبي (ص)، وفاطمة الزهراء بنت النبي (ص). (7) هذه هي قصّة يوسف (ع) الواقعية التي نقلها لنا أصدق المصادر على الاطلاق وهو القرآن الكريم، وقد نقلناها بشيء من التصرّف مع الحفاظ على مضمونها وهدفها. (8) الشريعة لا تفتح الباب على مصراعيه للمضطرِّين إلا في حدود رفع الاضطرار الذي قد يُسبِّب هلاك أو موت الإنسان، فكلّ ضرورة تقدّر بقدرها، والعودة فقط في حال الاضطرار المماثل، أمّا إذا ارتفعت الضرورة والاضطرار، عادت الحُرمة والتحريم والمنع إلى سابق عهدها.

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي